تونس: وطن وبوليس ورشوة (15)
تونس: وطن وبوليس ورشوة (15)
بقلم: جيلاني العبدلي
الفصل الثاني: شهادات على الرشوة
ليست الرشوة أقلّ وطأة على نفوس التونسيين من الاستبداد باعتبار حجم مخاطرها على حاضرهم ومستقبلهم، فبها تضيع حقوق وتُهمّش كفاءات وتُشترى ذمم ويصبح القانون عرضة للتلاعب وتقع التغطية على الفساد والجريمة ويتعرض ضعفاء الحال إلى الاستغلال فيزداد الفقراء إفقارا ويزداد المرتشون إثراء. فهي تلعب دورا مباشرا في تعريض الأمن الاجتماعي والاقتصادي للتونسيين إلى الخطر. وقد تزايدت الرشوة تصاعدا خلال العقدين الماضيين بشكل لافت للأنظار مما اضطر الرئيس بن علي لإثارة الظاهرة عبر التلفزيون محاولا تحجيمها واحتواء الإشاعات حولها بحصرها في فئة من أعوان الأمن واعتبارها من قبيل الاستثناء على خلاف الواقع اليومي الذي يشهده ويشهد عليه ويستشهد به عموم المواطنين حيث أصبحت الرشوة في أنظارهم هي القاعدة التي بها تُقضى حاجات الأفراد وبها تُقرّر مصائرهم وقد بلغتْ ذروتها مع تنامي الهجرة السرية ومع تضخم بطالة حاملي الشهادات الجامعية بصفة خاصة ومسّت قطاعات حساسة كانت إلى يوم قريب بمنأى عنها مثل التعليم والصحة. وما سأورده ممّا عايشته من شهادات في مراحل متفرقة عن الرشوة يؤكد شيوعها ويُنذر بمخاطرها ولعله يدفع إلى التعجيل بإيجاد السبل الكفيلة بمعالجتها أو الحدّ منها على الأقلّ رأفة بما يلقاه ضعفاء الحال من عنت بسببها.
رئيس فرقة أمنيّة
في إحدى الولايات التابعة لإقليم تونس العاصمة كان رئيس فرقة أمنيّة كثير التردد خارج أوقات عمله على إحدى المقاهي الشعبية أين كان يخوض مبارياته اليومية في لعبة الورق، ومع مرور الأيام تعرّف جيّدا إلى خمسة شبان غالبا ما كان يشاركهم لعبته الورقية المفضّلة، وتوطّدت علاقته بهم، وأصبح جانبهم مأمونا فعرض عليهم فرادى إمكانية تشغيلهم في أحد المطاعم الجامعية للطلبة التي كانت في طور الإحداث واشترط عليهم مقابل خدمته مقدارا بخمس مائة دينار يدفعه كل واحد منهم مقدما ويلتزم بتسديد خمسين دينارا شهريا لمدة عام ابتداء من تاريخ مباشرة العمل فعليا. قبل هؤلاء الشبان العرض بسعادة لا توصف ودفعوا مقدم الصفقة وظلّوا يعدّون الأيّام والأسابيع والأشهر يحدوهم الأمل في الفوز بعمل حكومي قارّ يريحهم من أعمالهم الهشّة أو قُلْ بطالتهم المقنّعة.كنت أتابع مجرى هذه الصفقة لمعرفتي الجيّدة بهؤلاء الأشخاص ولم أكن أصدق أن يعرف هذا الاتفاق طريقه إلى التحقّق لاعتقادي أنّ ما كان يدور ليس إلاّ ضربا من ضروب التحيّل الشائعة. مرّت أشهر عديدة وانتهت أشغال بناء المطعم الجامعي وفتح أبوابه مع انطلاق السنة الجامعية وحصل فعلا ما سفّه توقّعاتي وكذّب تكهناتي إذ حظيت مطالب الشبان الخمسة بالموافقة وباشروا عملهم الذي وعدوا به وظلّوا على وفائهم بعهدهم في تسديد ما التزموا به مدّة اثني عشر شهرا واستقرت حياتهم المهنيّة بالمقارنة مع ما كانوا فيه بالأمس القريب.تلك الواقعة أثارت في نفسي شعورين متناقضين، شعورا بالارتياح لنجاح هؤلاء الشبان في تخطّي صعوباتهم والظفر بعمل قار يحفظ كرامتهم بعد طول انتظار، وشعورا بالمرارة للطريقة التي جرى بها تشغيلهم والتي فجّرت عندي أسئلة مقلقة ظلّت دائما تلاحقني حسبي منها:ماذا لو خضعتْ تلك الفرص في التشغيل لمنافسة شريفة على أساس الكفاءة والأولويّة؟
ماذا لو سارتْ عمليّات التشغيلُ سيرا طبيعيّا بعيدا عن الارتشاء والابتزاز؟
ومن يا تُرى لفاقدي السند وللعاجزين أصلا عن دفع الرّشى من أجل الظفر بالعمل؟
يتبع
جيلاني العبدلي: كاتب صحفي
Blog : http://joujou314.frblog.net
Email :
joujoutar@gmail.com
رخصة النشر (Syndication)
19/03/2010 على الساعة 10.10:09
من طرف fake watches
New York, a school district four ...
18/03/2010 على الساعة 09.17:46
من طرف wow gold
gucci bags on sale gucci ...
09/03/2010 على الساعة 09.35:18
من طرف Silence
gucci bags on sale gucci ...
09/03/2010 على الساعة 09.29:52
من طرف Silence
gucci bags on sale gucci ...
09/03/2010 على الساعة 09.28:56
من طرف Silence